تخيّل المشهد: الأسبوع الأول من يناير. الإشعارات لا تتوقف. مجموعات التليغرام تعجّ بالتحليلات. تويتر مليء بتوقعات “سنة الانفجار” و”سنة التعافي” و”سنة الاتجاه الجديد”. وفجأة تلاحظ أن حركة السوق أسرع، والشموع أطول، وأحجام التداول على بينانس في يناير أعلى من المعتاد.
هل هذا يعني أن السوق أصبح “أوضح”؟
ليس بالضرورة. في كثير من الأحيان، ما يحدث في بداية السنة ليس “يقينًا”، بل اندفاعًا موسميًا يتكرر لأسباب نفسية ومالية وإعلامية… والذكاء هنا ليس في مطاردة الضجيج، بل في فهمه.
هذه المقالة ستساعدك على فهم:
- لماذا ترتفع حركة التداول في بداية العام؟
- لماذا لا يعني الحجم العالي “فرصة مؤكدة”؟
- وكيف تتعامل مع هذا النشاط بعقلية تعليمية بدل عقلية مقامرة؟
أولًا: بداية السنة ليست مجرد تاريخ
الأسواق ليست أرقامًا فقط؛ هي سلوك بشري. ومطلع السنة يضغط على زر معروف: إحساس البداية الجديدة. حتى لو لم تتغير الأخبار كثيرًا، يتغير شيء مهم: طريقة تفكير المتداولين.
- مراجعة نتائج العام الماضي: “ماذا ربحت؟ ماذا خسرت؟ ولماذا؟”
- وضع أهداف جديدة: “سأقلل مخاطرتي” أو “سأضاعف استثماري” أو “سأركز على عملات محددة”
- العودة للنشاط بعد هدوء نهاية ديسمبر (سفر، عطلات، إغلاق سنة)
هذه الحركة النفسية وحدها تخلق ارتفاعًا في عدد الصفقات، وبالتالي في حجم التداول.
ثانيًا: دخول “أموال جديدة” ينعش السوق… حتى قبل أن يظهر اتجاه واضح
من أكثر العوامل تأثيرًا في يناير: تدفق رأس مال جديد.
سواء كان ذلك بسبب:
- ميزانيات جديدة للأفراد مع بداية سنة مالية
- مكافآت نهاية السنة التي تُضَخ لاحقًا
- إعادة توزيع سيولة بعد مصروفات ديسمبر
- أو حتى “قرار شخصي” يبدأ في يناير: ”سأبدأ الاستثمار هذا العام”
حين يدخل المال الجديد، غالبًا لا يدخل بهدوء. يدخل بـ فضول وتجربة: شراء هنا، بيع هناك، متابعة سردية، اختبار منصة، دخول وخروج سريع… وهذا يرفع الحركة على المنصات الكبرى مثل بينانس بشكل واضح.
ثالثًا: يناير شهر “إعادة ترتيب المحافظ” وليس فقط فتح صفقات
هناك نوع من التداول لا يراه الناس كـ “مضاربة”، لكنه يرفع الأحجام بقوة: إعادة توازن المحفظة.
مثال بسيط:
- مستثمر كان لديه 70% بيتكوين، 30% العملات البديلة
- مع نهاية السنة تغيّر التوازن بسبب ارتفاع أصل وانخفاض آخر
- في يناير يعيدها إلى نسبته الأصلية، أو يغيّرها لخطة جديدة
هذه العملية تولد سلسلة معاملات:
- تخفيف مراكز
- زيادة مراكز
- تحويل بين أصول
- نقل سيولة إلى USDT أو العكس
كل هذا يُترجم إلى حجم تداول مرتفع—حتى لو لم يكن السوق في “رالي” واضح.
رابعًا: موسم “السرديات الجديدة” يبدأ مع التوقعات والتقارير
بداية السنة هي موسم التقارير:
“ملخص السنة الماضية”، “مواضيع السنة القادمة”، “أفضل القطاعات”، “اتجاهات السوق”.
في الكريبتو تحديدًا، السرديات لا تُجمّل الواقع فقط—بل أحيانًا تصنع حركة لأن السيولة تتبع الاهتمام. في يناير تتكاثر هذه العناوين… فتزداد الصفقات، لأن كثيرًا من المتداولين لا يطاردون “البيانات”، بل يطاردون “القصة”.
خامسًا: لماذا يظهر هذا النشاط بشكل أوضح على بينانس؟
عندما ترتفع حرارة السوق، يتجه الناس إلى المكان الذي يحقق لهم:
- سيولة أعلى
- تنفيذ أسرع
- إمكانية الانتقال بين عدد كبير من الأزواج
- سهولة الدخول والخروج دون انزلاق سعري كبير
ومع كون بينانس من أكبر المنصات عالميًا، فإن أي زيادة عامة في نشاط السوق غالبًا تُرى عليها بشكل مضاعف: تأثير “تجمع السيولة”.
لكن… انتبه: الحجم الأعلى لا يعني يقينًا أعلى
1) الحجم قد يكون “ضوضاء” لا “قناعة”
أحيانًا يرتفع الحجم لأن:
- الناس تدخل وتخرج بسرعة
- هناك موجة FOMO
- الجميع يختبر مستويات مقاومة/دعم
- أو لأن سوق المشتقات يتحرك بكثافة
النتيجة: حجم كبير… لكن اتجاه غير ثابت.
2) الحجم قد يرفع التقلب
التقلب قد يعني فرصة لمن يملك خطة، لكنه خطر لمن يملك “حماسًا فقط”.
في بداية السنة، الحماس كثير… والخطط قليلة.
3) السردية قد تكون أقوى من الواقع
قد تسمع “هذه السنة ستكون كذا”، فتعتقد أن المسار واضح.
لكن السوق لا يسير على النوايا.
يسير على السيولة، والمخاطر، والتوازنات، ومزاج المستثمرين.
كيف تتعامل بذكاء مع نشاط بداية السنة؟
الفكرة ليست أن تتجنب السوق، بل أن تدخل بعقلية: تعليم قبل مضاربة.
قاعدة ذهبية: لا تُسعّر الحماس داخل قرارك
1) افصل بين “نشاط” و“اتجاه”
- النشاط: حجم + سرعة + ضجيج + إشاعات + شموع طويلة
- الاتجاه: قمم وقيعان منظمة + استمرار + اختبارات ناجحة + مناطق واضحة
قد ترى نشاطًا كبيرًا دون اتجاه واضح.
وهذا من أخطر الأوقات على المتداول المتسرع.
2) قبل أن تتداول… اسأل 3 أسئلة بسيطة
- ما هي فكرتي بالضبط؟
- متى ألغي الفكرة؟
- كم أخسر إن فشلت؟
إذا لم تستطع الإجابة خلال دقيقة—فغالبًا لا تحتاج صفقة، بل تحتاج هدنة.
3) استخدم “سلم دخول” بدل دخول واحد
في أوقات يناير، الحركة سريعة وقد تحصل سحبات مفاجئة.
بدل دخول كامل مرة واحدة:
- ادخل بجزء
- راقب سلوك السعر
- ثم أكمل أو انسحب بحسب الخطة
هذا يقلل أثر الاندفاع اللحظي.
4) اجعل يناير شهر بناء نظام… لا شهر مطاردة
أفضل نتيجة من يناير ليست صفقة ناجحة، بل عادة صحيحة.
جرب هذا التمرين:
- اختر استراتيجية واحدة فقط لمدة أسبوعين
- سجّل كل صفقة: سبب الدخول/سبب الخروج/النتيجة/الدروس
- في نهاية الأسبوع: راجع الأخطاء المتكررة
ستتفاجأ أن أكبر العوائد تأتي من تقليل العشوائية، لا من زيادة الصفقات.
أكثر 7 فخاخ شائعة في بداية السنة
- FOMO: الدخول فقط لأن الجميع يتحدث
- زيادة حجم الصفقة لأن السوق “يبدو واضحًا”
- التنقل بين سرديات كثيرة في يوم واحد
- ملاحقة الشموع بدل انتظار منطقة دخول
- غياب نقطة الإلغاء: “سأرى ماذا يحدث”
- الخلط بين التداول والاستثمار: لا تعرف هل أنت مضارب أم مستثمر
- تجاهل الصحة النفسية: النوم القليل يصنع قرارات سيئة
إشارات ذكية لتقرأ النشاط دون أن تنخدع به
بدل أن تنظر للحجم وحده، راقب الأسئلة التالية:
- هل الحجم يأتي مع اختراقات حقيقية أم مع تذبذب؟
- هل يعود السعر ويثبت فوق المستوى، أم يخترق ثم ينهار؟
- هل الارتفاع واسع (عدة أصول تتحرك) أم ضيق (عملة واحدة تُشعل السوق)؟
- هل الحركة مبنية على خبر قوي أم على “كلام”؟
هذه الأسئلة تمنحك وعيًا بدل التورط.
خلاصة المقال
ينشط التداول على بينانس غالبًا في بداية السنة بسبب عوامل متداخلة: أثر البداية الجديدة، دخول سيولة جديدة، إعادة توازن المحافظ، وتزايد السرديات والتوقعات. لكن هذا النشاط لا ينبغي أن يُفسر على أنه دليل يقين أو ضمان اتجاه. الحجم المرتفع يعني كثرة القرارات، لا صحة القرارات. ومتى ما قدّمت التعليم والانضباط على الاندفاع، استطعت الاستفادة من نشاط يناير دون أن تتحول إلى ضحية لضجيجه.