هل انتهت موجة الصعود في سوق الكريبتو؟ شهدت أسواق العملات المشفّرة خلال الأسابيع الماضية تباطؤًا ملحوظًا بعد عام حافل بالارتفاعات القياسية. فقد سجّل البيتكوين قممًا تاريخية فوق 125 ألف دولار في أكتوبر 2025 قبل أن يتعرّض لتصحيح حاد بحوالي 30%، ليعود ويتداول مؤخرًا قرب 91 ألف دولار مع بوادر استقرار بعد موجة هبوط عنيفة.
هذا التراجع دفع كثيرين لطرح السؤال الكلاسيكي:
هل انتهت السوق الصاعدة (Bull Run)، أم أننا أمام مرحلة تجميع واستراحة محارب قبل استمرار الصعود؟
في الوقت نفسه، نشهد تسارعًا غير مسبوق في اعتماد المؤسسات التقليدية للبيتكوين والأصول الرقمية:
- صناديق ETF فورية للبيتكوين تجذب مليارات الدولارات.
- ولايات أمريكية – مثل تكساس – بدأت تستثمر رسميًا في ETF البيتكوين.
- بنوك كبرى تقبل الأصول المشفّرة كضمان للإقراض.
- وتسارع واضح في مشاريع ترميز الأصول الحقيقية (RWA Tokenization).
هذا التوازي بين تصحيح الأسعار من جهة، وتصاعد التبنّي المؤسسي من جهة أخرى، يفتح الباب أمام سؤال جوهري:
هل يمكن للاعتماد المؤسسي أن يمدّد موجة الصعود الحالية إلى أواخر 2025 وما بعدها؟
أولًا: أين نقف الآن في دورة بيتكوين الحالية؟
1. أداء السعر في 2025
- بلغ البيتكوين مستوى قياسيًا جديدًا فوق 125 ألف دولار في أكتوبر 2025، وفق تحليلات فنية عدّة.
- تعرّض بعدها لتصحيح قوي أوصله إلى منطقة 80–90 ألف دولار تقريبًا، قبل أن يرتد ويتماسك حول 91 ألف دولار مؤخرًا.
ورغم أن هذا التراجع يبدو قاسيًا على المدى القصير، إلا أن البيتكوين:
- ما زال متفوقًا على كثير من الأصول التقليدية من حيث الأداء السنوي.
- وما زال يتداول أعلى دعوم فنية مهمّة أشارت إليها تحليلات فنية سابقة (مثل مستويات 92 ألف و74 ألف دولار كسوابق دعم هيكلية).
2. التصحيحات جزء طبيعي من كل سوق صاعدة
في الدورات السابقة (2013، 2017، 2020–2021)، شهد البيتكوين مرارًا:
- تصحيحات بين 25–40% داخل السوق الصاعدة نفسها.
- فترات “ملل” جانبية تمتد أسابيع أو أشهر قبل استئناف الاتجاه الصاعد.
ما نراه اليوم يمكن قراءته كجزء من:
إعادة توزيع (Re-accumulation) وتجميع، أكثر منه انهيار نهائي لدورة الصعود.
ثانيًا: رأسمال يتحرّك… من الذهب إلى الأسهم إلى البيتكوين
تحليل حركة رؤوس الأموال عبر الأصول المختلفة يوضح صورة أعمق:
- الذهب سجّل ارتفاعات قوية في الفترة الأخيرة ثم بدأ يفقد زخمه.
- في المقابل، أسواق الأسهم الأمريكية (مثل S&P 500) تشهد عودة شهية المخاطرة وصعودًا جديدًا في المؤشرات.
تاريخيًا، كثيرًا ما كان التسلسل كالتالي:
- صعود الذهب كملاذ آمن في فترات عدم اليقين.
- ثم تحوّل السيولة إلى الأسهم مع تحسّن شهية المخاطرة.
- وأخيرًا انتقالها إلى الأصول عالية البيتا مثل البيتكوين والعملات المشفّرة.
بهذا المنطق، ما يبدو اليوم “تراجعًا” قد يكون مقدّمة لمرحلة جديدة من دخول رأس المال إلى البيتكوين بعد أن ينهي الذهب والأسهم دورهما في دورة رأس المال.
ثالثًا: كيف يمكن للاعتماد المؤسسي أن يمدّد موجة الصعود؟
العنصر الجديد الأكبر في دورة 2024–2025 مقارنة بالدورات السابقة هو زخم التبنّي المؤسسي. وهذه بعض أبرز مظاهره:
1. صناديق ETF الفورية للبيتكوين
إطلاق واعتماد صناديق ETF فورية للبيتكوين فتح الباب أمام:
- الصناديق التقاعدية.
- مديري الأصول.
- الحكومات والولايات.
للدخول إلى البيتكوين دون التعامل مباشرة مع المحافظ أو البورصات المشفّرة.
أمثلة مهمّة:
- ولاية تكساس أصبحت أول ولاية أمريكية تستثمر 10 ملايين دولار في ETF البيتكوين الخاص بـ BlackRock (iShares Bitcoin Trust IBIT)، في خطوة تعكس انتقال البيتكوين من “أصل مضاربي” إلى أصل يمكن أن تحتفظ به جهات حكومية على ميزانياتها.
- تحديثات كبيرة في صناديق BlackRock وارتفاع أحجام التداول ساهمت في دعم ارتداد السعر من قيعان التصحيح الأخيرة.
هذه الصناديق:
- توفّر قناة دخول منظمة ومألوفة للمستثمر المؤسسي.
- تقلّل تعقيدات الحفظ الذاتي (Self-Custody).
- وتخلق طلبًا مستمرًا على البيتكوين طالما هناك اشتراكات جديدة في وحدات ETF.
2. البنوك العالمية وقبول البيتكوين كضمان
بنوك استثمارية كبرى تتحرّك بهدوء نحو دمج البيتكوين في منتجاتها:
- تقارير حديثة تشير إلى أن JPMorgan بدأت تقبل صناديق ETF للبيتكوين كضمان لقروض مؤسسية، وتخطّط للسماح باستخدام البيتكوين والإيثيريوم كضمان عبر أمناء حفظ خارجيين.
هذا التطور يعني أن البيتكوين:
- يتحوّل تدريجيًا من أصل “هامشي” إلى أصل قابل للاستخدام داخل النظام المالي التقليدي.
- يزيد من طلب المؤسسات التمويلية عليه، كأصل يمكن رهنه مقابل سيولة.
3. ترميز الأصول الحقيقية (RWA Tokenization)
إحدى القصص الكبرى في 2025 هي ترميز الأصول في العالم الحقيقي على شبكات البلوكشين:
- تقارير متخصصة تذكر أن ترميز الأصول أصبح جسرًا بين التمويل التقليدي والبلوكتشين، مع منتجات حقيقية من مديري أصول كبار مثل BlackRock وFranklin Templeton ومبادرات مثل Smart NAV من DTCC.
- مشاريع مثل Project Guardian من J.P. Morgan توضح كيف يمكن للأصول المرمّزة أن تغيّر طريقة إدارة المحافظ الذكية والوصول إليها.
- تقارير أخرى تؤكد أن 2025 شهدت “طفرة” في ترميز الأصول بفعل وضوح تنظيمي أكبر وطلب مؤسسي متزايد.
لماذا هذا مهم لسوق الكريبتو عمومًا؟
- لأن هذه الأصول المرمّزة تحتاج بنى تحتية رقمية (شبكات، محافظ، حلول حفظ) هي نفسها التي تُستخدم للبيتكوين والعملات المشفّرة.
- وكلما زادت الأموال المؤسسية الموضوعة في بروتوكولات البلوكتشين، زاد استعداد تلك المؤسسات للتعامل أيضًا مع البيتكوين كأصل استراتيجي ضمن هذه المنظومة.
4. المنصّات المنظَّمة والبنية القانونية
مثال آخر على نضوج البيئة:
- حصول منصة Polymarket على موافقة CFTC للعودة إلى السوق الأمريكي كبورصة توقعات منظمة، بعد سنوات من الجدل التنظيمي.
هذا النوع من التطورات يعني:
- قبولًا أكبر من الجهات التنظيمية لبنية تحتية مبنية على الكريبتو.
- وتوسّعًا في حالات الاستخدام (Use Cases) التي تجذب مستثمرين جدد إلى هذا القطاع.
رابعًا: هل يمكن أن تمتد موجة الصعود إلى نهاية 2025 وما بعدها؟
1. السيناريو الإيجابي (استمرار السوق الصاعدة)
في هذا السيناريو، تمتد موجة الصعود الحالية بفترات تجميع وتصحيحات متقطّعة، لكن الاتجاه العام يبقى صاعدًا. ما الذي يدعم هذا الاحتمال؟
- تدفقات مستمرة إلى صناديق ETF والمؤسسات
- استمرار شراء ولايات، صناديق تقاعد، وشركات كبرى عبر قنوات منظّمة.
- توسع ترميز الأصول الحقيقية
- ما يعمّق ارتباط التمويل التقليدي بالبنية التحتية للبلوكتشين.
- تحسّن نسبي في البيئة الكلية
- إذا ظلّت أسعار الفائدة مستقرة أو مائلة للانخفاض، عادة ما ترتفع شهية المخاطرة تجاه الأصول عالية البيتا مثل البيتكوين.
- توقعات السعر من بعض المحللين
- تقديرات حديثة ترى أن نطاقًا بين 100 و150 ألف دولار في 2025 يبقى ممكنًا إذا استمرت تدفقات ETF ووضوح التنظيم.
2. السيناريو التحفظي (نطاق عرضي طويل)
في هذا السيناريو، قد يكون:
- الجزء الأكبر من الارتفاع قد تحقّق بالفعل في 2024–2025.
- ويتحرك البيتكوين في نطاق عريض (مثل 70–110 ألف دولار كمثال تقريبي) لفترة طويلة، في “سوق صاعدة بطيئة”.
هذا السيناريو لا يُنهي السوق الصاعدة بالكامل، لكنه:
- يقلّل من حدة الارتفاعات السريعة.
- ويجعل العوائد أكثر اعتدالًا، مع أدوار أكبر للمستثمر المؤسسي وأقل للمضاربة العنيفة.
3. السيناريو السلبي (تكوّن قمة كبرى وبداية سوق هابطة)
يصبح هذا السيناريو أكثر ترجيحًا إذا اجتمعت عوامل مثل:
- تشديد تنظيمي قوي على منصات التداول أو صناديق ETF.
- خروج تدفقات كبيرة من صناديق البيتكوين المؤسسية.
- صدمة اقتصادية أو مالية عالمية تدفع بالمستثمرين إلى تصفية المخاطر بشكل واسع.
في هذه الحالة قد نرى:
- قمة طويلة الأمد في نطاق 120–150 ألف دولار.
- تليها سوق هابطة تمتد لسنوات، كما حدث بعد قمم 2013 و2017 و2021.
خامسًا: ماذا يعني ذلك للمستثمر الفرد؟
سواء كنا في:
- استراحة داخل سوق صاعدة،
أو - قمة تسبق سوقًا هابطة جديدة،
فإن بعض المبادئ العامة تبقى ثابتة:
- فهم الفارق بين المضاربة والاستثمار طويل الأجل
البيتكوين والأصول المشفّرة يمكن أن تكون استثمارًا طويل الأفق لمن يؤمن بقصتها، لكنها تبقى شديدة التقلّب على المدى القصير. - تقبّل فكرة التصحيحات الكبيرة داخل أي موجة صعود
التراجعات بنسبة 20–40% ليست استثناءً في هذا السوق، بل جزء من طبيعته الهيكلية. - مراقبة مؤشرات الاعتماد المؤسسي بقدر مراقبة السعر
- إطلاق منتجات جديدة (ETF، صناديق ائتمانية، خدمات حفظ).
- دخول ولايات أو حكومات أو شركات كبرى.
- توسّع ترميز الأصول الحقيقية.
- هذه العوامل قد تكون أهم من حركة السعر اليومية في تحديد ما إذا كانت الدورة الحالية ما زالت حيّة.
- تنويع المحفظة وإدارة المخاطر
- عدم تركيز كامل رأس المال في أصل واحد مهما كان الإيمان به قويًا.
- استخدام استراتيجيات مثل الدخول المتدرّج (DCA) بدل محاولة توقيت القمم والقيعان دائمًا.
- هذا ليس advice ماليًا
كل ما سبق معلومات وتحليل عام ولا يمثّل نصيحة استثمارية شخصية.
القرارات الفعلية يجب أن تُبنى على:- وضعك المالي الخاص.
- أفقك الزمني وتحملك للمخاطر.
- وبحثك الخاص أو استشارة مستشار مالي مرخّص.
خلاصة
- التباطؤ الحالي في سوق الكريبتو لا يعني بالضرورة نهاية موجة الصعود.
- البيتكوين ما زال في منطقة مرتفعة تاريخيًا رغم التصحيح، والتصحيحات بهذا الحجم ليست غريبة على دوراته السابقة.
- الاعتماد المؤسسي – عبر صناديق ETF، دخول ولايات مثل تكساس، توسّع ترميز الأصول، وتزايد القبول البنكي والتنظيمي – يشير إلى تحوّل هيكلي طويل الأمد وليس مجرد موضة عابرة.
هل انتهت السوق الصاعدة؟ ربما لا نملك إجابة قاطعة اليوم، لكن ما نراه بوضوح هو أنّ: سار اعتماد البيتكوين والمؤسّسات له ما زال في بدايته، وهذا وحده كفيل بإبقاء احتمال استمرار موجة الصعود خلال 2025 وما بعدها.